فخر الدين الرازي
528
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
أما قوله تعالى : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ ففيه سؤالات : السؤال الأول : أنه تعالى قال في أول الآية : فَضَّلْنا بَعْضَهُمْ عَلى بَعْضٍ ثم عدل عن هذا النوع من الكلام إلى المغايبة فقال : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجاتٍ ثم عدل من المغايبة إلى النوع الأول فقال : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ فما الفائدة في العدول عن المخاطبة إلى المغايبة ثم عنها إلى المخاطبة مرة أخرى ؟ . والجواب : أن قوله : مِنْهُمْ مَنْ كَلَّمَ اللَّهُ أهيب وأكثر وقعا من أن يقال منهم من كلمنا ، ولذلك قال : وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً فلهذا المقصود اختار لفظة الغيبة . وأما قوله : وَآتَيْنا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّناتِ فإنما اختار لفظ المخاطبة ، لأن الضمير في قوله : وَآتَيْنا ضمير التعظيم وتعظيم المؤتى يدل على عظمة الإيتاء . السؤال الثاني : لم خص موسى وعيسى من بين الأنبياء بالذكر ؟ وهل يدل ذلك على أنهما أفضل من غيرهما ؟ . والجواب : سبب التخصيص أن معجزاتهما أبر وأقوى من معجزات غيرهما وأيضا فأمتهما موجودون حاضرون في هذا الزمان وأمم سائر الأنبياء ليسوا موجودين فتخصيصهما بالذكر تنبيه على الطعن في أمتهما ، كأنه قيل : هذان الرسولان مع علو درجتهما وكثرة معجزاتهما لم يحصل الانقياد من أمتهما ، بل نازعوا وخالفوا ، وعن الواجب عليهم في طاعتهما أعرضوا . السؤال الثالث : تخصيص عيسى بن مريم بإيتاء البينات ، يدل أو يوهم أن إيتاء البينات ما حصل في غيره ، ومعلوم أن ذلك غير جائز فإن قلتم : إنما خصهما بالذكر لأن تلك البينات / أقوى ؟ فنقول : إن بينات موسى عليه السلام كانت أقوى من بينات عيسى عليه السلام ، فإن لم تكن أقوى فلا أقل من المساواة . الجواب : المقصود منه التنبيه على قبح أفعال اليهود ، حيث أنكروا نبوة عيسى عليه السلام مع ما ظهر على يديه من البينات اللائحة . السؤال الرابع : البينات جمع قلة ، وذلك لا يليق بهذا المقام . قلنا : لا نسلم أنه جمع قلة ، واللّه أعلم . أما قوله تعالى : وَأَيَّدْناهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ ففيه مسألتان : المسألة الأولى : القدس تثقله أهل الحجاز وتخففه تميم . المسألة الثانية : في تفسيره أقوال لأول : قال الحسن : القدس هو اللّه تعالى ، وروحه جبريل عليه السلام ، والإضافة للتشريف ، والمعنى أعناه بجبريل عليه السلام في أول أمره وفي وسطه وفي آخره ، أما في أول الأمر فلقوله : فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا [ التحريم : 12 ] وأما في وسطه فلأن جبريل عليه السلام علمه العلوم ، وحفظه من الأعداء ، وأما في آخر الأمر فحين أرادت اليهود قتله أعانه جبريل عليه السلام ورفعه إلى السماء والذي يدل على أن روح القدس جبريل عليه السلام قوله تعالى : قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ [ النحل : 102 ] .